الشريف المرتضى / علي بن أبي الفتح الإربلي / محمد بن دانيال
رسالة الطيف للمنشئ 57
رسائل طيف الخيال في الجد والهزل
لو تيقّظت جئت نحوك لكنّي * أرسلت حين نمت مثالي لو صدقت الهوى صدقت * ولكن ما جزاء المحال غير المحال وأجاد مجد الدين محمد بن الظهير الحنفي الأربلي حيث قال : أأحبابنا إن فرّق الدّهر بيننا * وحازكم من بعد قربكم البعد فلا تبعثوا طيف الخيال مسلّما * فما لجفوني من بعدكم عهد « 1 » وقد ظرف القائل في خلاف ما قالوه « 2 » :
--> ( 1 ) أما هذا فقد أعرب عن صدق سريرته وظاهره حيث قال صريحا لن أنام فلا داعي ؛ لأن تجهد نفسك أيها المحبوب في إرسال طيفك فليس لي في سواك بديل لا في يقظتي ولا في منامي ولن أنام ولن تقر لي عين حتى أنال ما أرجو وأتمنى وإلّا فالهلاك أعز أمانيّ فما قيمة الحياة بدونك وكيف أعيش ولست جوارك ، فسأظل على العهد لن أغمض العين التي بصرتكم ولن أغفلها عن جمال توديعها لكم وسأظل أرهقها حتى أمتعها بسعادة عودة الرؤيا لشخصكم عند عودتكم لترقبكم منذ بداية مرماها إلى أن تصيروا بين أحضانها وتقروا في قرارها ومنتهاها أليس ذلك داعيا لها إلى أن تصبر منتظرة هذا اللقاء الجميل وحافزا على الترقب الدائم للطريق المحتمل أن تعود منه ، فإن لم يكن هذا حافزا لها ، فلا يحق لها أن تعيش ولا أن تتمتع بالنور والبدر والزهور دون بدر هو لي البدر وزهر هو لي الزهر ونسيم هو لي النفس وإلّا فالرحيل هو الأمل . ( 2 ) هذا يرى أن المحب لا بد أن يكابد ويلات البعد والهجر والشوق والحرمان حتى يشعر بقيمة المحبوب حين يكون بين يديه أما أن يرى محبوبة متى شاء وعندما يريد وإذا أراد أن يجالسه جالسه وإذا أراد أن يفارقه فارقة وإذا أراد حتى أن يضاجعه ضاجعه كيف يكون هذا ؟ ما هذا إلا للمحبين الأزواج أو للأزواج العشاق فهؤلاء أنعم أنواع العشاق إذ هم محبون منالون تنمو بينهم أواصر المحبة طيلة الأيام لا يخبو لهم ضوء ولا يهدأ لهم بال إلا بمخاطبة بعضهم البعض ومجالسة بعضهم البعض ويظن من ليس له دربه ولا خبرة بالعشق أن هؤلاء قد يمل أحدهم الآخر مع طول القرب ، لا بل هم أهل حظ ونعيم حباهم اللّه بذلك الرزق والنعيم يبات أحدهم في حضن محبوبه لا يفارقه وهو معه في غاية الخوف من الفراق فهو لا يخاف إلا غوائل الأيام ، لكنه طيلة الوقت معه ، ولكن هذا الخوف الدفين فيه وفيها يجعلهما دائما على قرب قريب والتصاق شديد ، وذلك الخوف الذي هو المنغص الوحيد لهما إذ لا رقيب يخافون ولا حاسد يهابون ولا بواش يهتمون فهم أهل نعيم كما قلت خوفهم فقط من الدهر الذي يخبئ المفاجات وأخوف خوفهم الفراق المجبر عليه أحدهم أو المرض الذي قد يداهم بعضهما أو الموت الذي هو مصير كل العباد لكنهما الموت لا يرهبانه بل ربما يتمنيانه حتى يذهبا وقد استوفيا حظهما من بعضهما أو من الدنيا دون نقصان إذ ما ذا في الدنيا بعد الدين غير الخلي الوفي والصاحب الصفي والعشير الرضي ، فالموت ليس له عليهما سطوة ولا هيبة إلّا الهيبة التي أودعها اللّه فيه فإن المحبوب علم المحب أنه قريبا إليه صائر وله ملاق على يقين ما داموا قد اتحدوا على دين ، وإن تثاقلت الأيام بعد موت أحدهم إلّا أن عزاء -